أبو حامد الغزالي
75
تهافت الفلاسفة
دل على أنه لا يمكن أن يعرف ، وأن ذلك ليس لقصور فيه ، بل لاستعصاء هذه المسألة في نفسها على العقول ، ولكن هذا كالشاذ في مذهبهم ، وإنما مذهب جميعهم أنه قديم ، وأنه بالجملة لا يتصور أن يصدر حادث من قديم بغير واسطة أصلا « 1 » إيراد أدلتهم : لو ذهبت أصف ما نقل عنهم في معرض الأدلة ، وذكر « 2 » في الاعتراض عليه ، لسوّدت في هذه المسألة أوراقا ، ولكن لا خير في التطويل ، فلنحذف من أدلتهم ، ما يجرى مجرى التحكم ، أو التخيل الضعيف ، الذي يهون على كل ناظر حله ، ولنقتصر على إيراد ما له وقع في النفس ، مما يجوز أن ينهض مشككا لفحول النظار ، فإن تشكيك الضعفاء بأدنى خبال ممكن . وهذا الفن من الأدلة ثلاثة :
--> ( 1 ) ربما يقال : إن في الكون حوادث قطعا على رأى الفلاسفة ، فكيف إذن صدرت ؟ ؛ إنها لابد أن تكون صادرة عن قديم ، فكيف يصح قولهم : لا يتصور أن يصدر حادث من قديم بغير واسطة ؟ ، فيجاب بما أجابوا به من أن « الموجودات التي تحل في المحال كالأعراض حادثة ، ولها علل حادثة ، وتنتهى إلى مبدأ ، هو حادث من وجه ، دائم من وجه ، وهو الحركة الدورية » . ( 2 ) أليس يفيد هذا اعتراف الغزالي بانتفاعه بآراء من سبق ، في نقد الفلاسفة ، وقد تنبه لهذه الملاحظة الدكتور « بينيس » في كتابه « مذهب الذرة عند المسلمين » حيث يقول في ص 16 من ترجمة الدكتور « عبد الهادي أبو ريدة » : « « وردوده - يعنى النظام - على الدهرية جديرة بالاعتبار ، لأنها هيأت للغزالي اعتراضا وجهه للفلاسفة . . . . وإذن فالكتابان اللذان نشرا أخيرا من كتب مباحث الكلام الأولى ، وهما كتاب « مقالات الإسلاميين » وكتاب « الانتصار » يهيئان في هذا الموضوع وفي غيره ، شواهد على أن لآراء الغزالي أصولا تمتد عروقها في مباحث الكلام الأولى ، بل في أقدم هذه المباحث » .